فخر الدين الرازي
211
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ففيه مسائل : المسألة الأولى : أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : 25 ] وفي قوله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى وجهان الأول : أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية ، فإذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني : أن اللّه يبشرك بولد اسمه يحيى . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحمزة ( إن ) بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما الفتح فتقديره : فنادته الملائكة بأن اللّه يبشرك . المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي يبشرك بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقرأ الباقون يُبَشِّرُكَ وقرئ أيضاً يبشرك قال أبو زيد يقال : بشر يبشر بشراً ، وبشر يبشر تبشيراً ، وأبشر يبشر ثلاث لغات . المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي يحيى بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع : الصفة الأولى : قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ نصب على الحال لأنه نكرة ، ويحيى معرفة . المسألة الثانية : في المراد بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قولان الأول : وهو قول أبي عبيدة : أنها كتاب من اللّه ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة . والقول الثاني : وهو اختيار الجمهور : أن المراد من قوله بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ هو عيسى عليه السلام ، قال السدي : لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ، فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم : وأنا أيضاً حبلى ، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وقال ابن عباس : إن يحيى كان أكبر سناً من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة اللّه وروحه ، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فإن قيل : لم سمي عيسى كلمة في هذه الآية ، وفي قوله إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ [ النساء : 171 ] قلنا : فيه وجوه الأول : أنه خلق بكلمة اللّه ، وهو قوله كُنْ * / من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول اللّه كُنْ * وبمحض تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر ، لا جرم سمى : كلمة ، كما يسمى المخلوق خلقاً ، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهي شهوة ، وهذا باب مشهور في اللغة والثاني : أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه اللّه الكتاب في زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلماً بالغاً مبلغاً عظيماً ، فسمي كلمة بهذا التأويل وهو مثل ما يقال : فلان جود وإقبال إذا كان كاملًا فيهما والثالث : أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى الحقائق والأسرار الإلهية ، فسمى : كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته روحاً من حيث إن اللّه تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، وقد سمى اللّه القرآن روحاً فقال : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا